الشيخ محمد رشيد رضا
131
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أما الامر بالتعاون على البر والتقوى فهو من أركان الهداية الاجتماعية في القرآن لأنه يوجب على الناس ايجابا دينيا أن يعين بعضهم بعضا على كل عمل من أعمال البر التي تنفع الناس أفرادا وأقواما في دينهم ودنياهم ، وكل عمل من أعمال التقوى التي يدفعون بها المفاسد والمضارّ عن أنفسهم ، فجمع بذلك بين التحلية والتخلية ، ولكنه قدم التحلية بالبر وأكد هذا الامر بالنهي عن ضده وهو التعاون على الإثم بالمعاصي وكل ما يعوق عن البر والخير ، وعلى العدوان الذي يغري الناس بعضهم ببعض ، ويجعلهم أعداء متباغضين يتربص بعضهم الدوائر ببعض كان المسلمون في الصدر الأول جماعة واحدة يتعاونون على البر والتقوى عن غير ارتباط بعهد ونظام بشريّ كما هو شأن الجمعيات اليوم ، فان عهد اللّه وميثاقه كان مغنيا لهم عن غيره ، وقد شهد اللّه تعالى لهم بقوله ( 3 : 110 كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ولما انتثر بأيدي الخلف ذلك العقد ، ونكث ذلك العهد ، صرنا محتاجين إلى تأليف جمعيات خاصة بنظام خاص لأجل جمع طوائف من المسلمين وحملهم على إقامة هذا الواجب ( التعاون على البر والتقوى ) في أي ركن من أركانه أو عمل من أعماله ، وقلما ترى أحدا في هذا العصر ، يعينك على عمل من البر ، ما لم يكن مرتبطا معك في جمعية ألفت لعمل معين ، بل لا يفي لك بهذا كل من يعاهدك على الوفاء ، فهل ترجو ان يعينك على غير ما عاهدك عليه ؟ فالذي يظهر ان تأليف الجمعيات في هذا العصر ، مما يتوقف عليه امتثال هذا الامر وإقامة هذا الواجب ، وما لا يتم الواجب الا به فهو واجب كما قال العلماء ، فلا بد لنا من تأليف الجمعيات الدينية والخيرية والعلمية ، إذا كنا نريد ان نحيا حياة عزيزة ، فعلى أهل الغيرة والنجدة من المسلمين ان يعنوا بهذا كل العناية ، وان رأوا كتب التفسير لم تعن بتفسير هذه الآية ، ولم تبين لهم أنها داعية لهم إلى أقوم الطرق وأقصدها لاصلاح شأنهم في أمر دينهم ودنياهم . اللهم انك تعلم اننا عنينا بتأليف جماعة يراد بها إقامة جميع ما تحب من البر والتقوى ، واصلاح أمر المسلمين في الدين والدنيا ، ( وهي جماعة الدعوة والارشاد ) اللهم أيد من أيدها ، وأعن المتعاونين على أعمالها ، واخذل من ثبط عنها ، انك أنت العزيز القادر ،